إسرائيل تتجه لخصخصة شركات السلاح لتعويض كلفة الحرب على غزة

في خطوة تعكس الضغوط المالية غير المسبوقة التي تواجهها تل أبيب منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، كشفت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية أن الحكومة الإسرائيلية بدأت فعلياً دراسة بيع حصص في بعض أكبر شركات تصنيع الأسلحة المملوكة للدولة، في محاولة لتعويض الارتفاع الحاد في الإنفاق الدفاعي خلال العامين الماضيين.
ووفقاً لمسؤولين حكوميين كبار، فإن الخطة تشمل خصخصة جزئية لشركات استراتيجية على رأسها «شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية» و«رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة»، في وقت بلغت فيه الكلفة الأمنية المباشرة للحرب نحو 62 مليار دولار، وسط تباطؤ اقتصادي واتساع في عجز الموازنة.

خلفية الحرب وتداعياتها المالية
اندلعت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عقب عملية «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، قبل أن تمتد المواجهات إلى جبهات أخرى في المنطقة. ومنذ ذلك التاريخ، تضاعفت ميزانية الدفاع الإسرائيلية تقريباً، لتصل إلى 8.3% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024، مقارنة بنحو 4% قبل عامين فقط.
وتشير تقديرات وزارة المالية الإسرائيلية إلى أن الكلفة الأمنية المباشرة للحرب خلال عامين بلغت نحو 62 مليار دولار، دون احتساب الخسائر غير المباشرة التي تكبدها الاقتصاد من تباطؤ في النمو وتراجع في الاستثمارات والسياحة.
وبالتوازي، اتسع عجز الموازنة ليصل إلى 6.8% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024، وهو مستوى مرتفع تاريخياً يعكس حجم الضغوط على المالية العامة.
خطة الخصخصة: الصناعات الجوية في الصدارة
نقلت «فايننشال تايمز» عن المحاسب العام في وزارة المالية الإسرائيلية، يالي روثنبرغ، قوله إن العمل بدأ بالفعل على خصخصة «شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية»، التي تُعد من أكبر شركات الصناعات الدفاعية في البلاد، وتشمل منتجاتها منظومة الدفاع الجوي «آرو»، إلى جانب الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وأوضح روثنبرغ أن «الفرضية المبدئية» للحكومة تقوم على بيع حصة تبلغ 25% من الشركة، مع إمكانية رفعها إلى حد أقصى 49%، وذلك «رهناً بقرارات الحكومة واعتبارات الأمن القومي».
وفي مقابلة منفصلة، أشار العميد الإسرائيلي غيل بنحاس، الذي كان يشغل منصب كبير المستشارين الماليين للجيش ووزارة الدفاع قبل استقالته هذا الشهر، إلى أن الطرح الأولي قد يتراوح بين 20% و25% من أسهم الشركة المملوكة للدولة، مرجحاً تنفيذ الصفقة «خلال عام أو عامين».
ورغم أن روثنبرغ اعتبر أنه من السابق لأوانه تحديد القيمة السوقية للشركة، فإنه استشهد بسجل طلبات يبلغ نحو 30 مليار دولار من مبيعات الأسلحة كمؤشر على حجمها وقوتها المالية.
ووفق البيانات الرسمية، حققت «الصناعات الجوية الإسرائيلية» مبيعات بقيمة 6.1 مليار دولار في عام 2024، وصافي دخل يناهز 493 مليون دولار، بزيادة قدرها 55% مقارنة بالعام السابق.
«رافائيل».. خصخصة أكثر تعقيداً
إلى جانب الصناعات الجوية، تدرس الحكومة الإسرائيلية خصخصة جزئية لشركة «رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة»، المصنعة لمنظومتي الدفاع الجوي الشهيرتين «القبة الحديدية» و«مقلاع داود».
غير أن المسؤولين حذروا من أن هذه الخطوة ستكون «أكثر تعقيداً» نظراً لحساسية التكنولوجيا التي تطورها الشركة، وارتباطها المباشر بالمنظومات الدفاعية الحيوية لإسرائيل.
وقال روثنبرغ إن الحكومة تنظر في «الخصخصة الجزئية لبعض الأصول المتعلقة بالدفاع» في ضوء «الموارد الإضافية المطلوبة للدفاع»، مؤكداً أن أي قرار سيخضع لموازنة دقيقة بين الاعتبارات المالية والأمنية.

الدعم الأميركي ودوره في تخفيف العبء
رغم الضغوط المالية، تلقت إسرائيل دعماً كبيراً من الولايات المتحدة منذ اندلاع الحرب. وبحسب معهد كوينسي للتجارة المسؤولة، قدمت واشنطن ما لا يقل عن 21.7 مليار دولار لإسرائيل منذ عملية «طوفان الأقصى»، في صورة مساعدات عسكرية وتمويلات طارئة.
إلا أن هذا الدعم، على ضخامته، لم يكن كافياً لتعويض الارتفاع القياسي في الإنفاق العسكري، خاصة مع استمرار العمليات واتساع نطاقها الإقليمي.
صادرات قياسية رغم الإدانات الدولية
المفارقة أن الصناعات الدفاعية الإسرائيلية حققت صادرات قياسية بلغت 14.8 مليار دولار في عام 2024، وفق «فايننشال تايمز»، وذلك رغم تصاعد الإدانات الدولية لإسرائيل بسبب حربها على غزة.
ويعكس هذا الرقم الطلب المتزايد عالمياً على الأسلحة والأنظمة الدفاعية في ظل التوترات الجيوسياسية، ما يمنح الحكومة الإسرائيلية هامشاً مالياً إضافياً لدعم خطط الخصخصة وجذب مستثمرين دوليين.
اقرأ أيضًا:
ملفات مسربة تكشف حملة إسرائيلية استمرت عقدًا| كيف حمت تل أبيب مسؤوليها من ملاحقات جرائم الحرب في بريطانيا؟
تداعيات اقتصادية واستشراف المرحلة المقبلة
يرى خبراء أن خصخصة شركات السلاح تمثل تحولاً مهماً في السياسة الاقتصادية الإسرائيلية، إذ تعكس انتقال الحكومة من الاعتماد الكامل على الملكية العامة في الصناعات الدفاعية إلى نموذج الشراكة مع القطاع الخاص.
غير أن هذه الخطوة تثير تساؤلات حول تأثيرها على الأمن القومي، ومستقبل السيطرة الحكومية على التقنيات الحساسة، إضافة إلى انعكاساتها على العمالة والاستثمارات.
ومع استمرار الحرب وتزايد الأعباء المالية، تبدو خصخصة شركات السلاح أحد الخيارات القليلة المتاحة أمام الحكومة الإسرائيلية لسد فجوة التمويل، في وقت يواجه فيه الاقتصاد تحديات غير مسبوقة منذ عقود.





