عربية ودولية

أوروبا في سباق مع الزمن لإعادة بناء صناعتها الدفاعية وسط تهديدات روسية وشكوك في المظلة الأمريكية

في ظل تصاعد التهديدات الروسية، وتنامي الشكوك داخل العواصم الأوروبية بشأن مدى التزام الولايات المتحدة طويل الأمد بأمن القارة، تخوض أوروبا سباقًا متسارعًا لإعادة بناء صناعتها الدفاعية وتعزيز قدرتها على الدفاع عن نفسها بشكل أكثر استقلالية، بعد عقود من الاعتماد شبه الكامل على المظلة العسكرية الأمريكية.

وتشهد الصناعات الدفاعية الأوروبية، التي عانت لسنوات من الركود والتشتت، طفرة إنتاج غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة، تشمل تصنيع الدبابات والطائرات المسيّرة والذخائر وأنظمة الدفاع الجوي، وفق ما ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية.

 

حرب أوكرانيا تغيّر المعادلة الأمنية في أوروبا

أعاد الغزو الروسي لأوكرانيا رسم أولويات الأمن الأوروبي، ودفع قادة القارة إلى مراجعة سياسات الدفاع التقليدية التي قامت لعقود على افتراض استمرار الدعم العسكري الأمريكي دون قيود.

أوروبا ترفض الخطة الأميركية لإنهاء الحرب في أوكرانيا
أوروبا وأوكرانيا

 

وزادت المخاوف الأوروبية مع تصاعد التوترات السياسية مع واشنطن، خصوصًا في ظل مواقف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الذي ضغط مرارًا على حلفاء «الناتو» لزيادة إنفاقهم العسكري، وأطلق تصريحات مثيرة للجدل حول مستقبل الحلف وقضايا استراتيجية مثل غرينلاند.

وأثارت هذه التطورات تساؤلات جوهرية داخل أوروبا: هل تستطيع القارة القتال والدفاع عن نفسها دون دعم أمريكي مباشر، سواء من حيث العتاد أو التكنولوجيا أو قطع الغيار؟

 

تريليون دولار لتعويض القدرات الأمريكية

ورغم أن غالبية الخبراء يرون أن أوروبا تمتلك الإمكانات البشرية والصناعية اللازمة، فإن الإجماع هو أن القارة لم تصل بعد إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي الدفاعي.

وبحسب المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، فإن استبدال القدرات الأمريكية المنتشرة حاليًا في أوروبا – سواء من حيث المعدات أو الأفراد – قد يتطلب إنفاقًا يقارب تريليون دولار.

ولا تزال هناك فجوات كبيرة في مجالات استراتيجية حساسة، أبرزها:

الطائرات الشبحية

الصواريخ بعيدة المدى

أنظمة الدفاع الجوي بعيدة المدى

الاستخبارات الفضائية والأقمار الصناعية

 

طفرة إنتاج غير مسبوقة في الصناعات الدفاعية الأوروبية

ورغم هذه الفجوات، فإن وتيرة التغيير في أوروبا تسير بوتيرة سريعة. فقد شهد عام 2025 أكبر توسع صناعي دفاعي منذ الحرب الباردة.

ووفق البيانات المتاحة، أنفقت أوروبا العام الماضي نحو 560 مليار دولار على الدفاع، أي ضعف ما أنفقته قبل عشر سنوات، ومن المتوقع أن يصل إنفاقها على المعدات العسكرية بحلول عام 2035 إلى نحو 80% من حجم إنفاق وزارة الدفاع الأمريكية، مقارنة بأقل من 30% فقط في عام 2019.

 

شركات ناشئة وعملاقة تقود التحول العسكري

تكشف قصص الشركات الأوروبية الجديدة عن حجم التحول الجاري. فقد نجحت شركة ألمانية ناشئة لصناعة الطائرات المسيّرة، تأسست أواخر عام 2024 دون تصميم أو موظفين، في بيع مئات الوحدات خلال عام واحد فقط لجيوش أوروبية مختلفة.

ويرجع مؤسسو هذه الشركات هذا النجاح السريع إلى تغير المناخ الاستثماري، حيث أصبح المستثمرون أكثر استعدادًا لتمويل الصناعات الدفاعية، كما باتت الحكومات الأوروبية أكثر مرونة وسرعة في إجراءات الشراء العسكري.

في الوقت نفسه، توسعت الشركات الكبرى بوتيرة غير مسبوقة:

شركة «راينميتال» الألمانية افتتحت أو تخطط لافتتاح 16 مصنعًا جديدًا منذ عام 2022.

شركة «ليوناردو» الإيطالية زادت عدد موظفيها بنحو 50% خلال عامين.

شركة «إم بي دي إيه» (MBDA)، أكبر منتج صواريخ في أوروبا، ضاعفت إنتاجها عدة مرات في مجالات الدفاع الجوي والصواريخ المضادة للدبابات.

وفي بعض القطاعات، تجاوز الإنتاج الأوروبي نظيره الأمريكي، إذ يُتوقع أن تتمكن «راينميتال» قريبًا من إنتاج 1.5 مليون قذيفة مدفعية عيار 155 ملم سنويًا، وهو رقم يفوق إجمالي الإنتاج الأمريكي الحالي.

 

اعتماد ذاتي في المدرعات… واعتماد خارجي في التكنولوجيا المتقدمة

تعتمد أوروبا اليوم بشكل شبه كامل على صناعتها المحلية في مجالات المدرعات والسفن والغواصات، وتُعد دبابة «ليوبارد» الألمانية من أكثر الدبابات انتشارًا في العالم.

لكن في المقابل، لا تزال القارة تعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة، وأحيانًا على إسرائيل، في مجالات استراتيجية حاسمة مثل:

الطائرات الشبحية

الصواريخ بعيدة المدى

أنظمة الدفاع الجوي المتقدم

الاستخبارات الفضائية والطائرات الاستطلاعية

ويعترف مسؤولون أوروبيون بأن تطوير طائرة شبح أوروبية خالصة قد يستغرق ما لا يقل عن عشر سنوات، في حين تواصل عدة دول شراء مقاتلات F-35 الأمريكية لسد الفجوة الحالية.

تشتت الجهود… العقبة الكبرى أمام الاستقلال الدفاعي

تمثل مشكلة تشتت الجهود الأوروبية واحدة من أكبر العقبات أمام بناء صناعة دفاعية موحدة، إذ تسعى كل دولة إلى تطوير دباباتها وطائراتها وسفنها الخاصة، ما يؤدي إلى تكرار الاستثمارات وتبديد الموارد، ويُبطئ وتيرة التسلح.

ويجعل هذا التشرذم الصناعة الأوروبية أقل كفاءة مقارنة بالنموذج الأمريكي الأكثر توحيدًا وتنسيقًا.

اقرأ أيضًا:

الولايات المتحدة تضغط على بوليفيا لمواجهة النفوذ الإيراني وحظر الحرس الثوري

خطوات لسد الثغرات وبناء استقلال استراتيجي

ورغم التحديات، بدأت دول أوروبية في إطلاق مشاريع استراتيجية كبرى، تشمل:

تطوير صواريخ يتجاوز مداها 1000 ميل بعد عام 2030

بناء منظومات أقمار صناعية عسكرية مستقلة

تعزيز قدرات الاستطلاع الفضائي

وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخرًا أن بلاده توفّر حاليًا نحو ثلثي الاستخبارات الفضائية التي تعتمد عليها أوكرانيا في حربها مع روسيا.

ماكرون
ماكرون
هل تستطيع أوروبا الدفاع عن نفسها دون أمريكا؟

يتفق معظم الخبراء على أن أوروبا تمتلك نظريًا القدرة على تسليح نفسها والدفاع عن القارة دون الولايات المتحدة، لكن تحقيق ذلك يتطلب:

وقتًا طويلًا

استثمارات مالية ضخمة

تنسيقًا سياسيًا وصناعيًا أعمق بين الدول الأوروبية

ومع استمرار التهديدات الجيوسياسية، يبدو أن سباق أوروبا نحو الاستقلال الدفاعي قد انطلق بالفعل، حتى وإن لم يصل بعد إلى خط النهاية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى